آخر تحديث :الأربعاء - 26 فبراير 2025 - 08:36 م

منوعات


أبناء القمر.. مغاربة "ينتظرون شمساً لا تحرق"

الأربعاء - 26 فبراير 2025 - 05:18 م بتوقيت عدن

أبناء القمر.. مغاربة "ينتظرون شمساً لا تحرق"

العين الثالثة/ متابعات

في غرفة مظللة، يرفع الستائر قليلاً، يتأكد أن آخر خيوط الضوء قد اختفت، ثم يستعد للخروج من عزلته الإجبارية.

يوم حمزة تيزمرت الحقيقي يبدأ فقط بعد أن تنسحب الشمس وينطفئ نورها من كفّ السماء.

"بعد أن ينام العالم، نستيقظ نحن لنعيش"، يقول حمزة، ابن السابعة والعشرين، وهو يضع طبقات الحماية المعتادة، المرهم الواقي على بشرته، النظارات المظللة، القفازات الواقية، وقناعه الخاص.

بحركات متأنية، ناتجة عن سنوات من الممارسة، يتفقد أن كل سنتيمتر من جلده محمي قبل أن يغادر عتبة بيته.

كفاح أخوين
يتشارك حمزة وأخوه محمد تيزمرت (31 عامًا) قصة كفاح استثنائية ضد مرض وراثي نادر، يحوّل بشرتهما إلى "مرايا" تتحسّس من أشعة الشمس.

"كانت حياتنا منذ بدايتها محفوفة بالصعاب والتحديات،" يروي حمزة، مستعيدا ذكريات طفولته الصعبة مع مرض جفاف الجلد المصطبغ، خلال السنوات الأولى لالتحاقه بالدراسة في قرية بنواحي مدينة تارودانت، وسط المغرب.

"كنا نضطر لقطع مسافة تستغرق نصف ساعة سيرا على الأقدام، عبر طرق وعرة، للوصول إلى مدرستنا".

حين نصل أخيرا، تكون أجسادنا قد أنهكها التعب والإجهاد بسبب التعرض لأشعة الشمس، رغم محاولاتنا الحثيثة لتجنبها.

مرض "أطفال القمر" هو اضطراب وراثي نادر يُعرف علما باسم جفاف الجلد المصطبغ، الذي يؤثر على قدرة الجلد على إصلاح التلف الناتج عن الأشعة فوق البنفسجية.

يعاني المصابون به، من حساسية شديدة لأشعة الشمس، مما يؤدي إلى تلف الجلد بسرعة وظهور بقع داكنة، وقد يتطور إلى سرطان الجلد في سن مبكرة.

ويحتاج المصابون إلى حماية صارمة من أشعة الشمس، مثل ارتداء ملابس واقية ونظارات خاصة، والعيش في بيئة خالية من التعرض المباشر للضوء، للحفاظ على صحتهم.

في ذلك الوقت، يضيف حمزة: "لم تتوفر لنا وسائل الحماية المناسبة التي نستخدمها اليوم. لا نظارات واقية، ولا أقنعة طبية، ولا مراهم".

"كل ما كنا نملكه هو خوذات بسيطة نغطي بها رؤوسنا، في محاولة يائسة لصد الأشعة الضارة التي تؤذي بشرتنا وتهدد حياتنا".

تأجّل التحاق الأخوين بالمدرسة الابتدائية بسبب حالتهما الصحية.

كان حمزة في السابعة من عمره وأخوه محمد في التاسعة عندما تمكنا أخيرا من بدء رحلتهما التعليمية، بعد تحذيرات متكررة من الأطباء لوالديهما من المخاطر الشديدة التي قد يسببها تعرضهما المباشر لأشعة الشمس.

يستذكر حمزة تلك الفترة بمشاعر مختلطة، قائلا: "امتدت سنوات المرحلة الابتدائية الست كسلسلة متصلة من المعاناة والكفاح".

كنا نواجه صعوبة بالغة في رؤية ما يُكتب على السبورة بسبب ضعف البصر الذي يسببه المرض، بالإضافة إلى سلسلة لا تنتهي من المشاكل الصحية التي كانت تلازمنا يوما بعد يوم، كما يقول.

ووسط هذه الأزمات الصحية، كانت هناك مشكلة أخرى تعين على الأخوين مواجهتها في الطفولة.. ويقول حمزة: "بعض زملائنا التلاميذ كانوا متفهمين، لكن آخرين كانوا يتنمرون علينا بسبب مظهرنا المختلف".

بمواجهة كل هذه الصعاب، أنهى الأخوان مرحلتهما الابتدائية بنجاح.

غير أن المرحلة الإعدادية كانت تنتظرهما بصدمة جديدة قاسية.

رفض مدير المدرسة الإعدادية استقبالهما، زاعما أن مرضهما معدٍ قد يصيب بقية التلاميذ، وهو ادّعاء يفتقر تماماً للأساس العلمي، إذ تؤكد الحقائق الطبية أن المرض غير معد، حسب حمزة.

تعنُّّت المدير، اضطره وأخوه للالتحاق بمدرسة خاصة بالمكفوفين في مدينة تارودانت، حيث تابعا دراستهما حتى التحاقهما بمعهد آخر للمكفوفين في مدينة تمارة، قرب العاصمة الرباط، حيث حصلا على شهادة البكالوريا بميزة حسن جداً في عام 2019.

بعدها التحقا بكلية الحقوق بجامعة محمد الخامس في الرباط لمتابعة دراستهما الجامعية، التي توّجاها بأن أصبحا أول مجازين في القانون مصابان بمرض "أطفال القمر" في المغرب.

"المرض جعلني أقوى وزادني إصراراً على الصمود. تكونت لدي مناعة ضد نظرات المجتمع السلبية. أصبحت أُعرِّف بقضية أطفال القمر في كل مكان أذهب إليه، في الكلية، في الشارع.. حتى مع سائقي سيارات الأجرة".

يقول حمزة: "هذا المرض ليس مجرد حالة طبية، إنه تحدٍ يومي للحياة والبقاء".


"حين التحقنا بالكلية، واجهنا تحديات جديدة تماما"، يوضح حمزة مستذكرا مرحلة انتقاله وأخيه إلى جامعة محمد الخامس بالرباط.

"كانت صعوبات الحضور والتنقل يومية، والتأقلم مع الطلبة والأساتذة لم يكن بالأمر السهل".

يصف القاعات الدراسية بالتفصيل: "كانت القاعات كبيرة، بها نوافذ واسعة دون ستائر، مما يجعل أشعة الشمس تتسلل إلى داخلها بسهولة.. في أيام كثيرة تعذر علينا الحضور بسبب وضعنا الصحي".

يتذكر حمزة بامتنان زملاءه المتعاونين: "بعض الطلبة، كانوا يساعدوننا كثيرا، يمدوننا بالدروس وبتسجيلات المحاضرات عندما لا نستطيع الحضور".

لكن لم يكن كل الأساتذة متفهمين لوضعهما، كما يشرح حمزة.

"بعضهم، لم يأخذ بعين الاعتبار مرضنا. عندما نتغيب عن حصصهم، يرفضون السماح لنا باجتياز الامتحان بحجة أنهم لم يسبق لهم أن شاهدونا خلال الدروس، رغم أنني شرحت لهم وللإدارة مرارا أن مرضي لا يسمح لي بالحضور نهارا".

في مواجهة كل هذه التحديات، استطاع حمزة وأخيه أن يحصلا على الإجازة في تخصص شعبة القانون الخاص.

لكن فرحتهما بإنهاء هذه المرحلة لم تكتمل، مرة أخرى.. وبرزت في وجه طموحاتهما الكبيرة عقبات جديدة.

يقول حمزة بحسرة: "بعد حصولنا على الإجازة، اجتزنا العديد من اختبارات التوظيف، لكن كان يتم إقصاؤنا بحجة أننا مصابان بهذا المرض، وأن مظهرنا الخارجي مختلف عن بقية الناس".

يسترسل موضحا: "عادة نمر من الاختبار الكتابي بنجاح وبامتياز، لكن عندما نصل إلى الامتحان الشفوي، يتم إقصاؤنا بمجرد أن تقيّم اللجنة مظهرنا الخارجي".

هذا التمييز يؤلم حمزة بشدة: "للأسف، حتى في المباريات (المسابقات) الموحدة المخصصة للأشخاص في وضعية إعاقة، يتم إقصاؤنا".

يتساءل باستنكار: "كيف يُعقل أن تكون المباراة خاصة بالأشخاص ذوي الإعاقة ويتم إقصاء شخص مصاب بمرض أطفال القمر بسبب إعاقته؟ هذا بحد ذاته تمييز غير مقبول".

"نحن لا نريد أن نكون عبئاً على المجتمع أو على عائلاتنا. نريد فقط فرصة لإثبات قدراتنا بعد كل الجهد الذي بذلناه للوصول إلى هنا".

يختم حمزة حديثه مناشدا الجهات الوصية بتخصيص منصب واحد على الأقل كل سنة، للأشخاص في مثل حالته من الحاصلين على شهادات جامعية.

من ألم شخصي إلى أمل جماعي
بينما يواصل حمزة وأخوه محمد رحلتهما في البحث عن فرصة عمل تليق بمؤهلاتهما الأكاديمية، تتواصل منذ سنوات قصة كفاح موازية في جانب آخر من المغرب.

"اكتشفنا أن مرضها خطير وقاتل"، بهذه الكلمات يختصر الحبيب الغزاوي لحظة تغيرت فيها حياته للأبد، عندما علم بإصابة ابنته فاطمة الزهراء بمرض أطفال القمر، وهي في الرابعة من عمرها.

بعد علمه بمرض ابنته، لم يتردد الغزاوي في اتخاذ قرار مصيري، ترك مهنته كطبيب بيطري ليكرس وقته لرعاية ابنته.

"كان من الصعب علي المحافظة على فاطمة الزهراء مع الالتزام بعملي، قدمت المغادرة الطوعية من وظيفتي بالبادية للاستقرار في مدينة المحمدية، وحاولت بكل جهد رعايتها".

فاطمة الزهراء الغزاوي كانت رمزا لكفاح هذا المرض النادر ـ صورة أرشيفية. (ِAP)
رحلة العلاج كانت قاسية بكل المقاييس. تحملت فاطمة الزهراء أكثر من 70 عملية جراحية على مدار حياتها، لاستئصال الأورام التي لم تتوقف عن مهاجمة جسدها.

"كان جسدها بالكامل يتعرض للتقرحات والأورام التي كانت تظهر من حين لآخر"، يصف الغزاوي المعاناة اليومية التي عاشتها ابنته.

لكن رغم قسوة المرض، كانت ثمة معجزة صغيرة تتحقق يوماً بعد يوم، إذ تحولت قبل رحيلها إلى "رمز " للتوعية بهذا المرض وتحدياته عبر منصات التواصل الاجتماعي، وساعدت في تأسيس "جمعية التضامن مع أطفال القمر بالمغرب"، التي كانت أول جمعية من نوعها في المملكة.

بدأت هذه المنظمة الإنسانية، التي يرأسها الغزاوي، بهدف بسيط هو إحصاء المصابين والتعريف بالمرض، قبل أن تتحول إلى مؤسسة شاملة تقدم خدمات متنوعة للمصابين.

ونجحت المنظمة منذ عام 2012، في توثيق نحو 500 حالة في مختلف أنحاء البلاد، وتوفير وسائل الحماية الضرورية كالمراهم والنظارات والأقنعة الواقية.

ويبقى أحد أبرز مشاريعها الحالية هو تصميم قناع واقٍ بالتعاون مع شركة فرنسية، ليكون بديلاً ملائماً للقناع الفرنسي باهظ الثمن الذي كان يكلف 1200 يورو.

ورغم رحيل فاطمة الزهراء، يواصل الأب جهوده في مساعدة المصابين ودعم أسرهم، كاشفا أن نضاله اليوم منصبّ على إدراج المرض ضمن الإعاقات المعترف بها رسميا.

كما يسعى إلى توفير حلول مناسبة للتعليم والرعاية الصحية، وينظم أنشطة اجتماعية لكسر عزلة المصابين.

"لقد عشت تجربة محفوفة، في كل تفاصيلها، بالأمل والألم مع فاطمة"، يقول الغزاوي بهدوء وثقة، مضيفا أنه سيواصل "تكريس ما تبقى من حياته لمساعدة المصابين وعائلاتهم".


شاهد أيضًا

الزُبيدي لسفراء الاتحاد الأوروبي: نريد شراكة حقيقية لإعادة ب ...

الثلاثاء/25/فبراير/2025 - 07:55 م

استقبل اللواء عيدروس قاسم الزُبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، اليوم الثلاثاء بالقصر الرئاسي في معاشيق، رئيس بعثة


قرارات صارمة من جامعة عدن: إلغاء شهادة ماجستير ومنع مشرف أكا ...

الثلاثاء/25/فبراير/2025 - 02:14 م

عقد مجلس جامعة عدن صباح اليوم الثلاثاء (25 فبراير 2025م) اجتماعه الدوري الثاني لشهر فبراير، برئاسة القائم بأعمال رئيس الجامعة الأستاذ الدكتور/عادل عبد


الزُبيدي يلتقي نقابات العمال ويعد بتحقيق مطالبهم في إطار الق ...

الإثنين/24/فبراير/2025 - 04:39 م

التقى اللواء عيدروس قاسم الزُبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، اليوم الإثنين، قيادة الاتحاد العام لنقابات عمال الجن


رجل خمسيني يغتصب طفلة في سن التاسعة بأبين ...

الإثنين/24/فبراير/2025 - 09:20 ص

تعرضت طفلة للاغتصاب من قبل رجل خمسيني أمس الأول في حارة باجدار بمدينة زنجبار محافظة أبين وهي الجريمة التي هزمت المدينة لبشاعتها وانتهاك الطفولة. وبحسب